مصر وصناعة المكانة في عالم يعيد تعريف القوة
بقلم: الكاتب والمفكر الأستراتيجي مستشار أحمد إكرام
لم يعد العالم كما كان قبل عقد واحد فقط.
موازين القوة لم تعد تُقاس فقط بعدد الجيوش أو بحجم الاحتياطيات النقدية، بل بقدرة الدولة على إنتاج المعرفة، وتأمين مواردها، وبناء شبكات تحالف مرنة، وتحويل موقعها الجغرافي إلى نفوذ اقتصادي دائم.
نحن أمام نظام دولي يعاد تشكيله، حيث تتراجع الأحادية القطبية، وتتقدم مراكز قوى متعددة، وتتحول الأدوات الاقتصادية إلى وسائل ضغط واستقطاب لا تقل أثرًا عن السلاح التقليدي.
في هذا السياق المتحوّل، تصبح مصر أمام لحظة استراتيجية فارقة؛ لحظة لا تقبل الاكتفاء بردّ الفعل، بل تتطلب صناعة الفعل ذاته.
أولًا: التحول العالمي وصراع إعادة التوازن
النظام الدولي يشهد انتقالًا تدريجيًا نحو تعددية قطبية تتجسد في صعود قوى آسيوية، وتنامي تكتلات اقتصادية مؤثرة مثل مجموعة بريكس، وتزايد استخدام العقوبات الاقتصادية، والتحكم في سلاسل الإمداد كسلاح جيوسياسي.
باتت الطاقة، والغذاء، والتكنولوجيا، والممرات البحرية عناصر رئيسية في معادلة النفوذ العالمي.
في هذا المناخ، لا ينجو إلا من يملك قدرة على التكيّف الاستراتيجي، ومن يحوّل التحديات إلى فرص تموضع جديدة.
ثانيًا: مصر والجغرافيا التي تتحول إلى قوة
موقع مصر ليس مجرد ميزة جغرافية، بل أصل استراتيجي يمكن أن يتحول إلى قوة اقتصادية دائمة إذا أُحسن استثماره.
فوجود قناة السويس لا يعني فقط مرور التجارة العالمية، بل يعني إمكانية بناء مركز صناعي ولوجستي عالمي قائم على التصنيع المرتبط بالنقل، والخدمات البحرية، وسلاسل الإمداد.
الجغرافيا تمنح الفرصة، لكن السياسات هي التي تصنع القيمة.
ومن هنا تصبح الرؤية واضحة: الانتقال من دولة معبر إلى دولة مركز إنتاج.
ثالثًا: السيادة الاقتصادية أساس الاستقلال السياسي
لا استقلال لقرار سياسي دون قاعدة اقتصادية قوية.
والاقتصاد القوي لا يقوم على الاستهلاك، بل على الإنتاج والتصدير وتعميق الصناعة.
إن بناء اقتصاد قادر على امتصاص الصدمات العالمية يتطلب:
تنويع مصادر الدخل القومي.
تعميق الصناعة الوطنية ذات القيمة المضافة.
توطين التكنولوجيا.
جذب استثمارات استراتيجية لا ريعية.
الهدف ليس مجرد تحقيق نمو رقمي، بل تحقيق نمو نوعي مستدام يرفع القدرة التنافسية للدولة ويعزز ثقلها التفاوضي.
رابعًا: الإنسان محور النهضة
التاريخ يثبت أن الثروة الحقيقية ليست في الموارد الطبيعية بل في العقول القادرة على تحويل الموارد إلى إنجاز.
الاستثمار في التعليم التقني، والبحث العلمي التطبيقي، وريادة الأعمال، هو الضامن الوحيد لبناء اقتصاد معرفي قادر على مواكبة التحولات الرقمية العالمية.
الدولة التي تستثمر في الإنسان تصنع مستقبلها بوعي، لا بالمصادفة.
خامسًا: التوازن الدبلوماسي في عالم الاستقطاب
عالم اليوم لا يحتمل الانحياز الأحادي.
السياسة الرشيدة تقوم على تنويع الشراكات، وبناء علاقات متوازنة مع مختلف القوى الدولية، والحفاظ على عمق عربي وأفريقي فاعل، مع الانفتاح المدروس على القوى الصاعدة.
الدبلوماسية لم تعد بروتوكولًا سياسيًا، بل أصبحت أداة لتعظيم المصالح الاقتصادية وتأمين سلاسل الإمداد وضمان الاستقرار الإقليمي.
سادسًا: البعد الحضاري والهوية الوطنية
مصر ليست دولة طارئة على التاريخ، بل دولة حضارة ممتدة لآلاف السنين.
هذا الامتداد الحضاري ليس ترفًا ثقافيًا، بل عنصر قوة ناعمة يعزز المكانة الدولية.
فالدولة التي تمتلك هوية راسخة تكون أكثر قدرة على مواجهة الضغوط الخارجية دون تفكك داخلي.
الوعي الوطني، والانتماء، وتحصين المجتمع ضد الاستقطاب، كلها عناصر لا تقل أهمية عن المؤشرات الاقتصادية.
سابعًا: من الرؤية إلى التنفيذ
الرؤية الاستراتيجية لا تكفي إن لم تتحول إلى سياسات قابلة للقياس.
مؤشرات أداء واضحة، ومتابعة دورية، وتكامل مؤسسي، هي الضمان الحقيقي لاستدامة أي مشروع وطني.
المعركة ليست معركة سنوات قليلة، بل مسار ممتد حتى 2035 وما بعدها.
والمعيار الحقيقي للنجاح هو قدرة الدولة على الانتقال من موقع التأثر بالأحداث إلى موقع التأثير فيها.
خاتمة
إن العالم يعاد تشكيله أمام أعيننا.
والدول التي تملك رؤية واضحة، واقتصادًا منتجًا، وإنسانًا واعيًا، ودبلوماسية متوازنة، هي وحدها القادرة على أن تكون جزءًا من المعادلة الجديدة.
مصر تمتلك المقومات، لكن صناعة المكانة تتطلب إرادة استراتيجية متكاملة، ونفسًا طويلًا، وعملًا مؤسسيًا دؤوبًا.
المستقبل لا يُنتظر، بل يُصنع.
ومن يملك رؤية واضحة، يملك القدرة على صناعة موقعه في التاريخ.
حفظ الله مصر 🇪🇬🇪🇬🇪🇬
#مصر
#مصر_2035
#رؤية_استراتيجية
#الاقتصاد_المصري
#السيادة_الاقتصادية
#الجيوبوليتيك
#الأمن_القومي
#قناة_السويس
#بريكس
#التحول_العالمي
#التنمية_المستدامة
#الهوية_الوطنية
#صناعة_المكانة

