التحكيم التجاري في مصر… عدالة بديلة أم مسار نخبوي خارج متناول المتقاضين؟
بقلم: الأستاذ/ محمد سعفان المحامي بالنقض والمستشار القانوني، المتخصص في القضايا الجنائية والتشريعات الدستورية، وصاحب رؤية قانونية تحليلية حول علاقة النصوص القانونية بالتطبيق العملي وأثرها على الحقوق والحريات.
في ظل التحديات المتزايدة التي تواجه منظومة العدالة التقليدية، وعلى رأسها بطء الفصل في القضايا وتشابك الإجراءات، برز التحكيم التجاري كأحد أهم البدائل القانونية التي يُعوّل عليها في حسم المنازعات، لا سيما في المجالين الاستثماري والتجاري.
لكن يبقى السؤال المطروح بإلحاح: هل التحكيم في مصر آلية عدالة فعّالة ومتكاملة، أم أنه ما زال مسارًا قانونيًا محدود الانتشار لا يخاطب إلا فئة بعينها؟
أولًا: التحكيم في الإطار التشريعي المصري:
نظّم المشرّع المصري التحكيم بموجب القانون رقم 27 لسنة 1994 بشأن التحكيم في المواد المدنية والتجارية، وهو قانون استلهم في جوهره مبادئ قانون الأونسيترال النموذجي، بما يحقق قدرًا كبيرًا من التوافق مع المعايير الدولية.
وقد منح هذا القانون للأطراف حرية واسعة في:
• اختيار المحكمين.
• تحديد القانون الواجب التطبيق.
• تحديد إجراءات التحكيم.
• اختيار مكان ولغة التحكيم.
وهو ما يُعد نقلة نوعية مقارنة بالقضاء العادي، الذي تحكمه قواعد إجرائية جامدة لا تتيح ذات القدر من المرونة.
ثانيًا: مزايا التحكيم… لماذا يفضّله المستثمرون؟
لا يمكن إنكار أن التحكيم يتمتع بعدة مزايا جوهرية، أبرزها:
• السرعة النسبية في الفصل في النزاع.
• السرية، وهي عنصر بالغ الأهمية في المنازعات التجارية.
• الخبرة الفنية للمحكمين، خاصة في العقود المتخصصة.
• قابلية تنفيذ الأحكام التحكيمية دوليًا وفق اتفاقية نيويورك 1958.
ولهذا السبب، أصبح التحكيم أداة رئيسية لجذب الاستثمار، ورسالة طمأنة للمستثمر الأجنبي بأن نزاعه لن يظل عالقًا لسنوات في أروقة المحاكم.
ثالثًا: الإشكاليات العملية… أين تكمن الفجوة؟
رغم الإطار التشريعي المتقدم، فإن التطبيق العملي كشف عن عدد من الإشكاليات، من بينها:
• ارتفاع تكاليف التحكيم مقارنة بالقضاء العادي.
• ضعف الثقافة التحكيمية لدى شريحة واسعة من المتعاملين.
• اللجوء المفرط إلى دعوى بطلان حكم التحكيم، بما يُفرغ السرعة من مضمونها.
• التداخل أحيانًا بين رقابة القضاء ودور التحكيم بصورة تُخل بمبدأ استقلاله.
وهي معوقات تثير تساؤلًا مشروعًا حول مدى إتاحة التحكيم كخيار حقيقي لجميع أطراف السوق، وليس فقط للشركات الكبرى.
رابعًا: التحكيم والقضاء… علاقة تكامل لا تنازع:
من الخطأ النظر إلى التحكيم باعتباره خصمًا للقضاء.
فالدور الحقيقي للقضاء يتمثل في:
• دعم العملية التحكيمية.
• فرض رقابة محدودة على سلامة الحكم التحكيمي.
• ضمان عدم مخالفة النظام العام.
وكلما التزم القضاء بهذا الدور المتوازن، تعززت الثقة في التحكيم كمسار عدالة موازٍ لا بديلًا صداميًا.
خامسًا: نحو تحكيم أكثر فاعلية وعدالة:
إن تطوير منظومة التحكيم في مصر يتطلب:
• خفض تكلفته وتشجيع التحكيم المؤسسي المحلي.
• نشر الوعي القانوني بثقافة التحكيم.
• ضبط نطاق دعوى البطلان دون المساس بضمانات التقاضي.
• إعداد كوادر تحكيمية وطنية مؤهلة بمعايير دولية.
خاتمة
التحكيم التجاري في مصر ليس ترفًا قانونيًا، بل ضرورة تفرضها طبيعة الاقتصاد الحديث.
غير أن نجاحه الحقيقي لا يقاس فقط بجودة النصوص، وإنما بمدى عدالة التطبيق، وسهولة الوصول إليه، وتكامل دوره مع القضاء.
وعندها فقط يمكن القول إن التحكيم أصبح حقًا طريقًا بديلًا للعدالة… لا مسارًا نخبويًا مغلقًا.
