اتفاقيَّات "إبراهام" بين الواقعية السياسية واحتمالات النفوذ الصامِت

 

اتفاقيَّات "إبراهام" بين الواقعية السياسية واحتمالات النفوذ الصامِت

.......

في عالم لم يعد يُدار فقط عبر الجيوش والحدود ، بل عبر الاقتصاد والتكنولوجيا وشبكات المصالح ، يجد القارئ نفسه أمام ملف شديد التعقيد مثل اتفاقيات إبراهام . 

هذا المقال لا يهدف إلىٰ تقديم موقف مؤيد أو معارض بقدر ما يسعىٰ إلىٰ تفكيك المشهد ، وطرح قراءه مزدوجه تجمع بين ما هو معلن من أهداف ، وما قد يختبئ خلفها من أبعاد استراتيجية بعيدة المدىٰ .

هُنٰا نحن لا نقرأ الحدث ، بل نحاول قراءة ما بعده .

حين أُعلنت هذه الاتفاقيات برعاية "دونالد ترامب" ، بدت في ظاهرها خطوه نحو السلام وإعادة ترتيب العلاقات في الشرق الأوسط . 

وقد انضمت إليها دول مثل الإمارات العربيه المتحدة والبحرين والسودان والمغرب ، في مشهد يعكس تحولًا من منطق الصراع إلىٰ منطق إدارة المصالح . 

هذا التحوُّل لم يكن شكليًا ، بل مثَّل كسرًا لقاعدة تاريخية كانت تربط التطبيع بحل "القضية الفلسطينية" .


في الاتجاه الأول من القراءة ؛ يرىٰ البعض أن هذه الاتفاقيات تُعَبِر عن نُضج سياسي وواقعية تفرضها طبيعة المرحلة . 

فالعالم يتغير ؛ والتحالفات لم تعد ثابتة ، والدول تبحث عن مصالحها في بيئه مليئة بالتحديات . 

التعاون في مجالات الاقتصاد ، والتكنولوجيا ، والطاقة ، والأمن ، قد يفتح أبوابًا واسعه للتنمية والاستقرار ، وربما يخلق مسارات جديدة لتخفيف حدة الصراعات . 

من هذا المنظور ؛  تبدو الاتفاقيات كأداة لإعادة تموضع الدول داخل نظام عالمي سريع التحول .

لكن الاتجاه الآخر من القراءة يطرح تساؤلات أكثر عمقًا ، تتجاوز الشكل إلىٰ المضمون . 

فالتخوف هُنٰا لا يتعلق بفكرة السلام نفسها ، بل بطبيعة التوازن داخل هذا السلام .

من يمتلك أدوات التأثير ؟ ومن يضع قواعد اللعبة ؟

عند هذه النقطة يظهر مفهوم “الاستعمار الناعم” ، ليس بوصفه شعارًا سياسيًا ، بل كتحليل لآليات النفوذ الحديثة ، فالعالم اليوم لا يحتاج دائمًا إلىٰ احتلال عسكري لفرض السيطرة ، بل يكفي أن تُبنىٰ شبكات اعتماد اقتصادي وتكنولوجي تجعل القرار السيادي متأثرًا ، ولو بشكل غير مباشر .

في هذا السياق ؛ يمكن قراءة الاتفاقيات كمدخل محتمل لنمط من النفوذ الشَبَكِي ، حيث يؤدي التفوق في مجالات حيوية إلىٰ خلق حالة من الاعتماد المتبادل غير المتكافئ . 

ومع الوقت ؛  قد تتحول الشراكه إلىٰ تأثير ، والتأثير إلى توجيه غير مباشر للمسارات السياسية والاقتصادية .

كما أن التحوُّل في الخطاب العام من “الصراع” إلىٰ “الشراكة” ، دون حل جذري لما يحدث في الضفه الغربيه وقطاع غزه ، يثير تساؤلًا حول مستقبل القضايا الجوهرية في الوَعْي الجمعي . 

فالقضية هُنٰا ليست فقط في الواقع ، بل في كيفية إدراك هذا الواقع مع مرور الوقت .

وبين هذين الاتجاهين ، تظل الحقيقه أكثر تعقيدًا من أي طرح أحادي . 

فالدول لا تتحرك بدافع واحد ، ولا تُدار السياسه بمنطق أبيض أو أسود . هناك مصالح ؛  وهناك مخاطر ، وهناك فرص ، وهناك تحديات . 

الفارق الحقيقي لا يَكمُن في وجود الاتفاقيات ، بل في كيفية إدارتها ، ومدىٰ قدرة الدول على الحفاظ علىٰ استقلال قرارها داخل شبكة العلاقات الجديده .

إن أخطر ما في التحولات الكبرىٰ ليس ما نراه الآن ، بل ما قد نعتاد عليه لاحقًا دون أن نشعر . 

لذلك ؛  فإن الوَعْي ليس رفاهية ، بل ضرورة . والقراءة المتأنية لما يحدث حولنا ، ورَبطُه بما يحدث في العالم ، هي الضمانة الحقيقيه لعدم الانزلاق إلىٰ مسارات لا نملك قرارها .


ما بين السلام كهدف مشروع ، والنفوذ كأداة قد تتسلل بهدوء ، ويبقىٰ السؤال مفتوحًا ؛  هل نحن شركاء في صياغة المستقبل ، أم مجرد أطراف داخل معادلات تُكتب بعيدًا عَنَّا ؟

الإجابه لا تأتي من المواقف المسبقه ، بل من وَعْي مستمر ، وقدره علىٰ الفهم ، واستعداد دائم لقراءة ما وراء الأحداث .

........

✍️ ياسر مروان

الإتحاد الوطني لمكافحة الفساد والإرهاب

ودعم مؤسسات الدوله

رئيس لجنة الأمن القومي والاتصال السياسي

عضو الهيئه الإستشاريه العليا

نائب لجنة الدفاع السيبراني

المؤسسه الوطنيه للأمن السيبراني

الله – الوطن – الجيش

إرسال تعليق

أحدث أقدم