مساءلة الدولة في النزاعات الأسرية عالية النزاع من الماجنا كارتا إلى النسوية الحديثة — حين تصبح الكرامة الإنسانية مسؤولية مؤسسية بقلم: محرر الشؤون الحقوقية


 مساءلة الدولة في النزاعات الأسرية عالية النزاع

من الماجنا كارتا إلى النسوية الحديثة — حين تصبح الكرامة الإنسانية مسؤولية مؤسسية

بقلم: محرر الشؤون الحقوقية

تطرح الدوقة نيفين الجمل، مديرة المملكة المتحدة في المعهد الأمريكي للدبلوماسية وحقوق الإنسان (USIDHR)، في الكونجرس الأميركي مقاربة عميقة لمسألة الطلاق عالي النزاع، معتبرة أن هذه القضايا لم تعد شؤونًا عائلية خاصة، بل تحوّلت إلى اختبار مباشر لقدرة الدولة على حماية الحقوق وصون الكرامة الإنسانية، خصوصًا عندما يكون الأطفال والنساء في قلب النزاع.

«حين تطول الإجراءات، ويتشتت القرار بين المؤسسات، لا يكون الصمت حيادًا، بل يتحول إلى شكل من أشكال الإيذاء المؤسسي»، تقول الجمل.

المشهد الأول: حين لا تعود القضية “شأنًا خاصًا”

في قاعة محكمة هادئة، تجلس أمٌّ تنتظر قرارًا سيحدد مصير طفلها.

الملف أمام القاضي سميك، الإجراءات طويلة، والوقت يمر.

خارج القاعة، تُوصَف القضية بأنها “نزاع عائلي”.

أما داخلها، فتتآكل نفسية طفل، وتُستنزف امرأة، وتُختبر الدولة — بصمت — في قدرتها على حماية من هم تحت مظلتها.

هنا، لا نكون أمام خلاف أسري فقط،

بل أمام امتحان للدولة نفسها.

الجذور الأولى للعدالة: من الماجنا كارتا إلى سؤال اليوم

ترى الجمل أن العودة إلى جذور العدالة ضرورية لفهم ما يحدث اليوم.

فقبل أكثر من ثمانمائة عام، أرست الماجنا كارتا (1215) مبدأً غيّر مسار التاريخ:

لا أحد فوق القانون، ولا سلطة بلا مساءلة، والدولة نفسها مُلزمة بالقانون.

وتوضح أن هذه الوثيقة لم تكن اتفاقًا سياسيًا عابرًا، بل إعلانًا مبكرًا بأن:

الحرية ليست منحة

العدالة ليست امتيازًا

الكرامة الإنسانية غير قابلة للتفاوض

ومن هذه الفكرة تفرّعت لاحقًا الدساتير الحديثة، ومبدأ المحاكمة العادلة، وسيادة القانون، ومنظومة حقوق الإنسان العالمية.

لكن السؤال الذي تطرحه الجمل بوضوح هو:

«هل تظل هذه المبادئ قائمة عندما تصبح القضايا معقدة، طويلة، وعابرة للحدود؟ أم تتراجع أمام البيروقراطية والخوف من اتخاذ القرار؟»

النسوية: حين تصبح “لا” مسألة حياة وكرامة

في حديثها، تفصل الجمل بين النسوية كشعار والنسوية كمنظومة حقوقية.

«النسوية الحقيقية لا تعادي الرجل، ولا تهدف إلى تفكيك الأسرة. هي ببساطة تأكيد أن للمرأة حق الأمان، وحق الرفض دون عقاب، وحق الحماية المتساوية أمام القانون».

وتضيف أن النسوية، بهذا المعنى، ليست خروجًا عن الماجنا كارتا، بل امتدادًا طبيعيًا لها:

«القانون وُجد ليحمي الإنسان من التعسف، سواء جاء من فرد، أو من مؤسسة، أو من نظام كامل».

نموذج حقيقي: حين يتكرر الفشل المؤسسي

تشير الجمل إلى قضايا عالمية معروفة، تكررت بصيغ مختلفة في أوروبا وأمريكا، حيث تقدمت أمهات بعدة بلاغات وتحذيرات موثقة بشأن مخاطر تهدد أطفالهن بعد انفصال عالي النزاع.

تقارير نفسية

شكاوى رسمية

مؤشرات إنذار واضحة

لكن الرد المؤسسي غالبًا ما كان:

“نزاع حضانة”

“خلاف بين طرفين”

تأخرت الإجراءات، تضاربت الصلاحيات، وتبادلت المؤسسات المسؤولية.

«هذه ليست مآسي فردية»، تقول الجمل،

«بلانمط متكرر. وعندما تُجزّأ المسؤولية، تختفي المحاسبة».

من نزاع خاص إلى اختبار للدولة

بحسب الجمل، يتحول الطلاق عالي النزاع إلى خطر حقيقي عندما:

تتأخر المحاكم في اتخاذ القرار

تتجاهل أجهزة الحماية إشارات الخطر المبكر

تفشل الجهات المختلفة في تبادل المعلومات

يُستخدم الفضاء الرقمي للتشهير والضغط دون ردع

«في هذه اللحظة، لا يكون الفشل فرديًا، بل مؤسسيًا، ويمس جوهر دولة القانون»، تؤكد.

السؤال الذي تخشاه الأنظمة: من يُحاسِب؟

تقول الجمل إنها ناقشت هذه الإشكاليات في واشنطن، داخل أروقة الكونغرس الأمريكي، في سياق أوسع عن المساءلة المؤسسية.

وهنا تطرح سؤالًا مركزيًا:

«من يراقب أداء المؤسسات عندما تصبح هي نفسها جزءًا من الإشكال؟»

وتضيف:

«هذا السؤال ليس اتهامًا، بل شرطًا أساسيًا لأي نظام يدّعي الديمقراطية والعدالة».

الأطفال والنساء: المعيار الحقيقي للعدالة

تشدد الجمل على أن نجاح أي نظام قانوني لا يُقاس بعدد الملفات المغلقة، بل بقدرته على حماية:

الطفل من الانهيار النفسي

المرأة من الاستنزاف المؤسسي

الأسرة من التحول إلى ساحة عنف صامت

«العدالة التي لا تحمي الأضعف، ليست عدالة، بل إجراء إداري»، تقول بوضوح.

البعد الدولي والرقمي: تعقيد العصر الحديث

يزداد التعقيد حين تتداخل النزاعات العابرة للحدود، وجوازات السفر، ونقل الأطفال بين الدول، وتضارب الاختصاص القضائي.

ويزداد خطرًا مع تحوّل:

التشهير الإلكتروني

تسريب المعلومات

الضغط الرقمي

إلى أدوات مؤذية دون أطر قانونية حازمة

ما الذي تتطلبه العدالة اليوم؟

تخلص الجمل إلى أن العدالة في قضايا الطلاق عالي النزاع تتطلب:

مساءلة إدارية حقيقية

تدريبًا متخصصًا للمؤسسات المعنية

تنسيقًا عابرًا للحدود

حماية قانونية من الأذى الرقمي

واعترافًا صريحًا بأن حماية النساء والأطفال جوهر الدولة الحديثة لا هامشها

الخلاصة: من الماجنا كارتا إلى اليوم

منذ الماجنا كارتا وحتى النسوية الحقوقية الحديثة، الرسالة واحدة:

«السلطة تُحاسَب، والكرامة الإنسانية غير قابلة للتفاوض».

وحين تفشل الدولة في إدارة النزاعات الأسرية المعقدة بعدالة وشفافية، فإنها لا تخذل الأفراد فقط، بل تُضعف ثقة المجتمع في القانون ذاته.




وهنا، تصبح مساءلة الدولة


ليست تهديدًا لها،


بل الضمان الوحيد لبقائها دولة قانون حقيقية.

إرسال تعليق

أحدث أقدم